أعادت الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران طرح سؤال قديم في واشنطن حول جدوى الاعتماد على القوة العسكرية وحدها لحماية المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط، وفي هذا السياق، ترى الكاتبة كارمن غويخوسا أن المنطقة تواجه أزمات أمنية واقتصادية متشابكة، بينما تتزايد تكلفة الصراعات على الولايات المتحدة وحلفائها.

 

وأفادت أتالايار بأن دوائر سياسية واقتصادية أمريكية بدأت تدعو إلى إعادة صياغة استراتيجية واشنطن في الشرق الأوسط، بحيث لا تقتصر على الردع العسكري والتحالفات الأمنية، بل تمتد إلى الاستثمار والتنمية الاقتصادية وبناء شراكات مع القطاع الخاص، باعتبارها أدوات أكثر استدامة لتعزيز النفوذ والاستقرار.


وترى هذه الرؤية أن القوة العسكرية، مهما بلغت فاعليتها، تستطيع فرض وقائع ميدانية أو تحقيق مكاسب تكتيكية، لكنها لا تكفي وحدها لبناء نفوذ طويل الأمد أو معالجة الأسباب الاقتصادية والسياسية التي تغذي عدم الاستقرار في المنطقة.


مصر نموذج للاستثمار الأمريكي في الاستقرار الاقتصادي


يدفع أنصار هذا التوجه نحو الانتقال من سياسة إدارة الأزمات إلى سياسة الاستثمار في الاستقرار، ويبرزون التجربة المصرية نموذجًا يمكن البناء عليه، رغم التحديات الاقتصادية الهائلة التي تواجهها البلاد.


عقب الاضطرابات التي أعقبت ثورة 2011، أطلق الكونجرس الأمريكي «صندوق المشروعات الأمريكية-المصرية» بهدف دعم القطاع الخاص في مصر، انطلاقًا من قناعة بأن تقوية الاقتصاد المحلي تشكل أحد ركائز الاستقرار السياسي والأمني.


واختلف الصندوق عن برامج المساعدات الحكومية التقليدية، إذ اعتمد على الاستثمار المباشر في شركات خاصة تمتلك فرصًا للنمو، مع الاستعانة بخبرات محلية لاختيار المشروعات وإدارتها، باعتبار أن المستثمرين المحليين أكثر قدرة على فهم احتياجات السوق والتعامل مع تقلباته.


ويرى مؤيدو المبادرة أنها حققت نتائج لافتة رغم الضغوط التي عصفت بالاقتصاد المصري، وفي مقدمتها فقدان العملة المحلية أكثر من 80% من قيمتها منذ عام 2016، إلى جانب تراكم الأزمات الاقتصادية والإقليمية.


وتشير الأرقام المنشورة إلى أن الصندوق كاد يضاعف قيمة التمويل الذي قدمه الكونجرس الأمريكي، ليصبح واحدًا من أكبر المستثمرين المدعومين أمريكيًا في مصر، فضلًا عن مساهمته في توفير عشرات الآلاف من فرص العمل.


لكن هذه النتائج لا يمكن فصلها عن الصورة الأوسع للاقتصاد المصري، الذي يواجه ضغوطًا متزايدة من ارتفاع الديون وأعباء خدمة الدين وتراجع القدرة الشرائية، في وقت يعيش فيه ملايين المصريين تحت وطأة الفقر وارتفاع تكاليف المعيشة.


الاقتصاد المصري بين الديون والفقر وتراجع الدعم


تطرح التجربة المصرية سؤالًا أكثر تعقيدًا حول قدرة الاستثمار الخاص على تحقيق الاستقرار في اقتصاد يواجه اختلالات هيكلية عميقة. فبينما تسعى الحكومة إلى جذب الاستثمارات وتمويل مشروعات البنية التحتية والمدن الجديدة، تواصل الديون والضغوط المالية فرض قيود ثقيلة على الاقتصاد وعلى قدرة الدولة على الإنفاق الاجتماعي.


وتزامن ذلك مع تراجع مستويات الدعم الحكومي وارتفاع أسعار السلع والخدمات، الأمر الذي زاد الضغوط على الأسر المصرية، خصوصًا الفئات محدودة ومتوسطة الدخل. كما أدت الأزمات المتلاحقة إلى اتساع الفجوة بين تكلفة المعيشة ودخول المواطنين، بينما ظلت معدلات الفقر مصدر قلق رئيسي بالنسبة إلى مستقبل الاستقرار الاجتماعي.


ويشير المقال إلى أن نجاح نموذج الاستثمار الخاص لا يعتمد على توفير التمويل وحده، بل يرتبط أيضًا بطريقة إدارة الأموال، داعيًا إلى تشكيل مجالس إدارة مستقلة تضم خبراء استثمار من الولايات المتحدة والدول المضيفة، إلى جانب فرض معايير صارمة للشفافية والرقابة وحماية الأموال العامة.


ويرى أنصار هذا النموذج أن الاستثمار في القطاع الخاص يخلق حوافز تختلف عن برامج المساعدات التقليدية، لأن أرباح مديري الصناديق ترتبط بنجاح الشركات التي يستثمرون فيها، ما يدفعهم إلى اختيار المشروعات القادرة على تحقيق النمو والاستدامة.


وبالنسبة إلى مصر، تكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة في ظل اعتماد الاقتصاد بدرجة كبيرة على مصادر تمويل خارجية وتدفقات نقدية مثل القروض والاستثمارات وتحويلات المصريين وعائدات قناة السويس، بينما يظل الاقتصاد بحاجة إلى زيادة الإنتاج والتصدير وخلق وظائف مستدامة لتخفيف أعباء الديون والفقر.


واشنطن تبحث عن نفوذ اقتصادي يتجاوز القوة العسكرية


تأتي الدعوات إلى تبني نهج جديد في الشرق الأوسط بينما تعيد الإدارة الأمريكية تقييم أدواتها في المنطقة، بعد أن أظهرت الحرب مع إيران أن التكلفة العسكرية والاقتصادية للصراعات المفتوحة باتت مرتفعة للغاية، سواء بالنسبة إلى الولايات المتحدة أو حلفائها.


ولم تقتصر تداعيات الحرب على الاضطرابات الأمنية، بل امتدت إلى أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد والاقتصاد العالمي، ما دفع إلى البحث عن سياسات تقلل احتمالات اندلاع أزمات جديدة.


وفي هذا السياق، بدأت الإدارة الأمريكية خطوات لتوسيع نموذج الاستثمار الخاص، إذ يتضمن مشروع موازنة عام 2027 مقترحًا يمنحها صلاحيات أكبر لإنشاء صناديق استثمار جديدة في دول أخرى، على غرار التجربة المصرية.


ويعكس ذلك توجهًا نحو استخدام الاستثمار الخاص أداةً للدبلوماسية الاقتصادية، بحيث يصبح دعم القطاع الخاص جزءًا من استراتيجية الدفاع عن المصالح الأمريكية، بدلًا من حصر النفوذ في القواعد العسكرية أو صفقات السلاح.


ومع ذلك، لا يقدم هذا النموذج بديلًا كاملًا للأدوات الأمنية والعسكرية، بل يطرح تصورًا مختلفًا لطبيعة النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط، يقوم على بناء شراكات اقتصادية طويلة الأمد ترتكز على الاستثمار والإنتاج وتوفير فرص العمل.


ويرى مؤيدو هذا النهج أن النفوذ المستدام لا يتحقق بالقوة العسكرية وحدها، بل بقدرة الولايات المتحدة على المساعدة في بناء اقتصادات أكثر استقرارًا، وتعزيز دور القطاع الخاص، وربط مصالحها الاستراتيجية بأهداف التنمية في المنطقة.


وفي الحالة المصرية، تظل المعضلة الأساسية مرتبطة بقدرة الاقتصاد على الانتقال من الاعتماد على القروض والمساعدات والتدفقات المالية إلى نموذج أكثر إنتاجية، يخلق فرص عمل حقيقية ويحد من الفقر ويخفف أعباء الديون، إذ إن تحقيق الاستقرار طويل الأمد لا يعتمد فقط على جذب رؤوس الأموال، وإنما على ضمان وصول ثمار النمو إلى المواطنين الأكثر تضررًا من الأزمات الاقتصادية.


وبحسب هذا الطرح، قد تصبح الاستثمارات الاقتصادية، بدلًا من التدخلات العسكرية، إحدى أكثر الأدوات فاعلية لضمان حضور أمريكي طويل الأمد في الشرق الأوسط، خصوصًا في وقت ترتفع فيه تكلفة الحروب وتتراجع قدرة القوة الصلبة وحدها على إنتاج الاستقرار.

 

https://www.atalayar.com/en/articulo/politics/why-does-the-united-states-need-new-approach-in-the-middle-east/20260719132000227817.html